صديق الحسيني القنوجي البخاري

159

أبجد العلوم

المنظر الرابع « في أن الرّحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم « 1 » والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل ، تارة علما وتعليما وإلقاء ، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة . إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا ، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها . والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم ، حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم ، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين . فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها ، فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل ، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات ، ويصحح معارفه ويميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم . وهذا لمن يسر اللّه تعالى عليه طرق العلم والهداية . فالرحلة لا بدّ منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 2 » ويرشده إلى طريق سوي ودين قويم . * * * المنظر الخامس في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها « 3 » « والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري ، والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ، ولا شخص ، ولا جيل ، ولا أمة ، ولا صنف من الناس . ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات ، وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس

--> ( 1 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 626 ، 627 ) . ( 2 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 627 ) . ( 3 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 627 ، 628 ) .